عبد الله بن محمد المالكي

327

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

معه ، وكانت المرأة سوت البيت وبخرته وأوقدت المصباح وأغلقت الباب ، فلما جئنا ندخل دفعت الباب وأبو خالد خلفي ، فلمّا ضربت إليه رائحة البخور وقف ، فأقبل شبه المتنهد حتى خلت أن نفسه تتقطع ، وأنا أقول له : « ادخل يا أبا خالد » وهو فيما هو فيه من كربه ، فقمت فأخذت بضبعه وأدخلته ، وهو يقول : « يا أبا عبد اللّه ! يا أبا عبد اللّه ! يا أبا عبد اللّه ! » - كالمستغيث - « إليّ ! » ثم بقي مطروحا على الوسادة ، وجئت بالمائدة بجهلي وهو يستغيث : « إليّ ! » ، فلما رأيته لا يمد يده إلى المائدة [ ] « 22 » ، ثم قام فبادر إلى الباب فخرج . فلما كان بعد أيام لقيت ابنه ، فقلت : « يا ابن أخي ، كيف أبوك ؟ » فقال لي : « يا أبا عبد اللّه ، بات الليل كله يصيح ويبكي ، ما تركنا نرقد من بكائه وصياحه » . ابن الحداد « 23 » : حدثني بعض من لقيت ممن أثق به من جيران عبد الخالق ، عن رجل من أصحابه يقال له حمدون الخرنق ، قال : أقبل إليّ عبد الخالق يوما على بغل ، وعليه قفتان من قفاف البقل « 24 » ومعه لحم بقري ولحم غنمي من كل صنف رطل [ أو قال : فيهما جميعا رطل ] « 25 » ومعه خبز نقي فقال : « يا حمدون ، إن أمّ حمدون « 26 » مريضة » - يعني زوجته - « فسر معي حتى تنال [ معنا ] « 27 » منه » . وكان سكناه في ذلك الوقت « بالقرن » ، فقلت له : « لم أعلم أهلي » ، فلم يزل بي حتى أجبته وتوجهت معه إلى « القرن » « 28 » . قال : « فدفع ذلك الخبز واللحم إلى أهله ودخلت معه إلى المسجد ، فبصر برجل من أهل البادية عليه أثر البؤس ومعه أطفال وهو يقضم الشعير كما تقضم الدواب ، فذهب عبد الخالق إلى زوجته فجعل يقول لها : « يا أم حمدون ، يضعف اللّه أجرك غدا ! » وقد كانت عالجت ذلك الطعام ، فأقبل به بأسره إلى ذلك الشيخ البدوي وقال له : « شأنك ! » ثم نهض

--> ( 22 ) يبدو ان جواب « لما » سقط من النصّ ولم يترك الناسخ بياضا . ( 23 ) الخبر وتمام إسناده في الطبقات ص 64 - 65 . ( 24 ) في الأصل بدون اعجام . والضبط للناشر السابق . وفي الطبقات : البغل - ثانيه غين معجمة . ( 25 ) زيادة من الطبقات . ( 26 ) في الأصل : امرأة حمدون . والمثبت من الطبقات ومما سيأتي في نفس الخبر . ( 27 ) زيادة من الطبقات . ( 28 ) تقدم تعريفنا ب « القرن » وتحديد موقعه عند تعليقنا على كلام المؤلف حول غزوات العرب الأولى .